
تائهة منزوية، لكنها لم تقنط من الامل ومن رحمة الله ـ كما تقول ـ فقد تحولت من فتاة غير مبالية بدينها إلى فتاة مؤمنة تمارس أصول الدين وتقول رندى: "بعد الظلم الذي عشته فتح الله لي الحياة وأدخلني في نعمة الإيمان وتزوجت من رجل أحببته وأحبني وأنجبت منه طفلا، وأنا مواظبة من الآن وصاعدا على زيارة العتبات المقدسة في كل عام".
سافرت وأنا في عمر 25 سنة لزيارة أحد أعمامي الذي هاجر قبل ولادتي، كان لدي هاجس السفر للتعرف عليه وعلى عائلته ولاكتشاف البلاد التي يعيشون فيها.
ذهبت الى المطار في بيروت وصعدت الى الطائرة بشكل طبيعي، وبعدما وصلنا الى البرازيل، مطار ساوباولو، فوجئت برجال الأمن هناك، اقترب أحدهم مني، أمسك بيدي وأخذني الى غرفة صغيرة، وفي
هذه الغرفة كانت اللحظات الاولى لرحلة الظلم التي عشتها، فقد وجهت إلي اتهامات تتمحور حول التجارة بالمخدرات، في هذه اللحظة أغمي علي ثم وجدت نفسي في مكان آخر، حيث وجهت التهمة إلي رسميا وأحالوني الى المحاكمة، وحكم علي بالسجن لمدة عشر سنوات خفضت الى خمس.
اكثر مما كنت أتصور.
بالتأكيد، كل الذي حصل هو عملية تلفيق لي.
لا أعرف، ولكن بعد مرور الزمن اتضحت الصورة، فقد كنت ضحية عصابة أدخلت الى شنطتي المخدرات.
إنها سنوات الموت البطيء والعذاب
القاتل.
اليوم الأول كان أشبه بالجحيم، فأنا بريئة ومظلومة، وفوق هذا كله أدخلوني الى سجن يعج بالعاهرات.
كان الاحباط هو الجاثم على كل كياني، كان اللون الأصفر يخيم على قلبي.
لم أتعرف على أي فتاة عربية في السجن.
كنت أشعر أنني سأموت قهرا.
أكثر من سنة.
بدأت بالتقرب من الله من خلال الصلاة
والعبادة وهذا ما جعلني ارتاح واشعر بشيء من الطمأنينة. بات الإيمان والعبادة هما الأساس في حياتي، وصرت أفكر بالأيام القادمة من حياتي كيف ستكون منذورة لله.
طبعا كنت أفكر بذلك، ووصلت الى قناعة أن أحدا لن يصدق أنني بريئة، حتى لو خرجت من السجن، وثانيا، كنت أعيش القهر مضاعفا، قهر الظلم نتيجة السجن، وقهر ما سوف ألاقيه من الآخرين حين أخرج. وهذا الشعور هو الذي دفعني لمحاولة الانتحار في السنوات الأولى من السجن، أشكر الله أنني استطعت تجاوز هذه المحنة.
رغم أنها تحمل الايام الاخيرة للسجن فانها كانت طويلة وكدت لا أصدق أنها ستنتهي، كانت أصعب من السنوات الأربع التي مضت، لأنني كنت أعدها لحظة بلحظة.
الحرية لا يمكن وصفها، إنها تشبه إعادة الروح للجسد، منذ أكثر من خمس سنوات وأنا خارج السجن وأعيش الحرية ولكن حتى هذه اللحظة لم استطع التعبير أو ترجمة كلمة تفي بالمعنى الكامن في أعماقي. ما يمكنني قوله، إنني حين خرجت من السجن شعرت بأنني تحررت لكنني ظلمت ولا أستحق هذا الظلم، ومجرد هذا الشعور يشعرني بالأسى ويخفف من الفرح الذي يجب أن يولد اثناء الحرية ـ الخروج من السجن والعذاب. يبقى الذي عشته وذقته في السجن أقوى من كل فعل، ولا أعتقد أن هذا الشعور القوي سيغيب عن حياتي القادمة.
حاولت العيش بهدوء والاستراحة من العذاب.
ضمن حدود، ولكن بعد مرور
الوقت واتضاح الصورة الحقيقية للواقع الذي ظلمني، باتت حياتي أفضل.
نعم تزوجت، ولكن بعد مخاض نفسي عسير.
بعدما خرجت من السجن كنت على قناعة راسخة بأنني لن أتزوج وسأتفرغ لعمل الخير والايمان.
بعد الظلم والعذاب الذي انغرس عميقا في حياتي اقتنعت بأنني غير قادرة على مواصلة الحياة الطبيعية. وكنت أقول في نفسي من يتزوجني حين يعرف أنني سجنت بتهمة من هذا القبيل؟
أنا إنسانة هزمت وتحطمت نفسيا، ومن الصعوبة أن تلتئم جراحي، وكل ذلك عائد الى قوة الصدمة الظالمة التي طالت حياتي.
قلت لك إن الله أعطاني الأمل ورغم قوة اليأس في داخلي فإن الله أعطاني قوة الحياة وجعلني أخرج من هذا اليأس المدمر وأتزوج.
بكل بساطة أحببت رجلا من عمري وهو أحبني وتزوجنا.
قلت لك ان الله معي.
من أولها إلى آخرها، وبات يشعر معي بقوة الظلم الذي عشته.
رائعة.
أنجبت طفلا.
أعيش مع عائلتي بهدوء وسكينة وأمارس تعاليم الله بكل حب، وأذهب كل سنة الى ديار الله المقدسة، أشكره على نعمه.
بصراحة لم أكن أتوقع ذلك أبدا، وسبق وقلت لك كنت يائسة وأفكر بالانتحار، فكيف سأرى ما سوف يحصل معي.
أولا أشكر الله على نعمه، إن الله ارحم الراحمين وهو يعرف ما يجيش في الصدور، فكيف يترك عبده المظلوم، لقد أنعم الله علي بالأمل بعد كل الذين ذقته من ويلات، وأقول لكل مظلوم حقيقي ان الله لا يترك المظلوم يموت مظلوما، فالله وهبنا الحياة لنعيشها لا لنقتلها.
بالتأكيد، مهما عصفت الايام وأطبقت على المرأة فالحياة مفتوحة على الأمل ويمكن للمرأة أن تحيا من جديد حتى لو عاشت السجن، وتجربتي هي الشهادة التي لا تحتاج الى جدال.















